كشفت هيئة الإذاعة البريطانية “بي بي سي” عن تفاصيل صفقةٍ سريةٍ سمحت للمئات من ارهابيي تنظيم داعش وأسرهم بالخروج من الرقة على مرأى من قوات التحالف الخاضعة لقيادة أميركية – بريطانية، والقوات التي يقودها الكورد الذين يسيطرون على المدينة.

وأقر التحالف الدولي، بعد شهر على استعادة قوات سوريا الديمقراطية (قسد) للرقة من تنظيم داعش أن العشرات من مقاتلي التنظيم الأجانب قد يكونون تخفوا بين المدنيين واستطاعوا الهروب إلى أماكن أخرى أثناء عملية إجلاء 300 مدني من المدينة.

وقال الكولونيل رايان ديلون الناطق باسم التحالف إن هناك ما يقارب الــ300 شخص تم فحصهم وتعريفهم كمقاتلين محتملين للتنظيم، مشيرا إلى أنه لم يتم التعرف على كل مقاتلي داعش الذين فروا من الرقة.

وكان المجلس المحلي للرقة وقوات_سوريا_الديمقراطية قد توصلا لاتفاق حول خروج المدنيين من المدينة. وأثناء الخروج، تم إخضاع الجميع لعملية تفتيش وفحص، استطاعت من خلالها قوات سوريا الديمقراطية تحديد 4 من المسلحين الأجانب جرى إلقاء القبض عليهم، كما تم تصنيف حوالي 300 شخص آخر كـ”مقاتلين محتملين في داعش”.

من جهته، كان المرصد السوري لحقوق الإنسان قد ذكر عدة مرات بأن المئات من مقاتلي داعش، بينهم أجانب، غادروا الرقة بأسلحتهم وذخائرهم في قافلة ضخمة في 12 من أكتوبر/تشرين الأول الماضي.

وجاءت تصريحات التحالف الأخيرة بضغط تركي روسي حيث اتهم وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف الولايات المتحدة بالسعي لتغيير النظام في سوريا عن طريق “دعمها للإرهابيين والمقاتلين الأجانب وبتقديم غطاءٍ لمقاتلي داعش”، حسب موسكو.

أما تركيا، فعبّرت عن صدمتها من موقف واشنطن حيال الاتفاق الذي أبرمته قوات سوريا الديمقراطية مع تنظيم داعش والذي نص على انسحاب مقاتلي التنظيم من الرقة.

وشملت قافلة المُرحَّلين من المدينة بعض أشهر أعضاء التنظيم الارهابي، وعشرات الارهابيين الأجانب بالرغم من تأكيد الأطراف المعنية سلفاً على عدم السماح لهم بالمغادرة أحياء.

كيف كشف السر؟

أبو فوزي، سائق الشاحنة التي حملت المُرحَّلين، أحد الذين اطلعوا على هذه الصفقة القذرة، حسب وصف “بي بي سي”، بعدما كان يظن أنَّ المهمة التي. طلبت منه لقيادة شاحنة ستكون مجرِّد مهمةٍ تقليدية سينتهي منها.

ويقود أبو فوزي شاحنةً تسير على 18 عجلة عبر بعض أخطر الأراضي في شمال سوريا المُتَمَثِّلة في جسورٍ مُدمَّرة، ورمال صحراوية عميقة، حتى أنَّ القوات الحكومية وما يسمى بارهابيي تنظيم داعش لا يقفون في طريق توصيل الشحنات لخطورته.

ولكن في هذه المرة، كان من المُقرَّر أن تكون شحنته حمولةً بشرية. إذ أراد تحالف قوات سوريا الديمقراطية، الذي يضم مقاتلين كورداً وعرباً معارضين لتنظيم داعش الارهابي، منه أن يقود شاحنةً من المنتظر أنَّ تحمل مئات الأسر النازحة بسبب القتال من بلدة الطبقة المُطلَّة على نهر الفرات إلى مخيمٍ آخر أبعد في ناحية الشمال.

وكان من المُقرَّر أن تستغرق هذه المهمة ست ساعات، كحدٍ أقصى، أو على الأقل هذا ما قيل له.

ولكن حين جهَّز هو وزملاؤه السائقون قافلة الشاحنات في وقتٍ مبكر من يوم 12 أكتوبر/تشرين الأول 2017، أدركوا أنَّهم تعرَّضوا للكذب، واكتشفوا أن المهمة لن تستغرق 6 ساعات، بل 3 أيام من القيادة الشاقة، وشحن حمولةٍ قاتلة تضم مئات من ارهابيي تنظيم داعش وأسرهم وأطناناً من الأسلحة والذخائر.

ووُعِد أبو فوزي وعشرات السائقين الآخرين بالحصول على آلاف الدولارات لأداء هذه المهمة، شريطة أن تظل سراً.

وتمَّت الصفقة التي تقتضي السماح لارهابيي تنظيم داعش بالخروج من الرقة، التي أعلنوها عاصمةً للخلافة بحكم الأمر الواقع، بترتيبٍ من مسؤولين محليين.

وجاء ذلك بعد 4 أشهر من القتال الذي ترك المدينة مُدمَّرةً تماماً وشبه خالية من الناس. ومن شأن ذلك أن يُنقذ أرواحاً، ويُنهي القتال. إذ ستُنقَذ حياة المقاتلين العرب والكورد والمقاتلين الآخرين المعارضين لداعش.

ولكنَّ ذلك مكَّنَ أيضاً مئات من تنظيم داعش من الفرار من المدينة. وفي الوقت نفسه، لم يكن التحالف الخاضع لقيادةٍ أميركية – بريطانية، ولا قوات سوريا الديمقراطية المدعومة من التحالف، يريدان الاعتراف بدورهما في الصفقة.

فهل أطلقت الصفقة، التي كانت بمثابة سر الرقة، تهديداً على العالم الخارجي في ظل تمكين ارهابيين من الانتشار في جميع أنحاء سوريا وخارجها؟

صحيحٌ أنَّ جهوداً كبيرة بُذلت لإخفاء هذا السر عن العالم. ولكنَّ هيئة الإذاعة البريطانية بي بي سي تحدَّثت إلى عشراتٍ من الأشخاص الذين كانوا على متن الشاحنات، أو لاحظوها، وإلى الرجال الذين تفاوضوا على الصفقة.

ترك الرد

Please enter your comment!
Please enter your name here